اخر الأخبار

كُتّاب وآراء

Imprimer

حسن أوريد يكتب: هل هناك من خيار ثالث في العالم العربي؟

لعل أهم ما أفرزته الانتخابات التشريعية التي انعقدت في المغرب 7 أكتوبر الحالي، هو الثنائية الحزبية بين حزب ذي مرجعية إسلامية، أخذ ينحو نحو تشكيل جبهة تختلف فيها التباينات الإيديولوجية وتختفي فيها البرامج السياسية، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي خرج من رحم السلطة، ويعتبره خصومه بنية انتخابية أكثر منه حزبا سياسيا.

ولعل أهم ما طبع الحملة هو ما قدمه مثقفون من ضرورة اتجاه ثالث ينأى عن التوجه المحافظ ، وما أسماه بعض  المثقفين بالحداثة الزائفة المُسوغة  للسلطوية. ومن الضروري أن نلاحظ أن هذا الاتجاه الثالث، الذي استأثر باهتمام الملاحظين  أثناء الحملة، لم ينل أكثر من مقعدين. فهل يمكن أن نجزم بنهاية هذا الاتجاه؟ وهل يمكن أن نعتبر أن هذه الثنائية قدرا سيطبع الحياة السياسية بالمغرب في المستقبل؟

بمنطق الزمن السياسي، يبدو الاتجاه الثالث غير مؤثر، أما بمنطق الزمن التاريخي، فلا يمكن الاستهانة بهذا الاتجاه، لأنه يعبر، ولو بطريقة جنينية عن حاجة ملحة في معمعان مجتمعات العالم العربي. ولعلنا أن نستشهد بالمقولة الإنجليزية القائلة بأن الرؤية هي رؤية الأشياء غير المرئية، وهو الأمر الذي يقابله المثل العربي القائل: “الذي لا يبصر من الغربال يكون أعمى”

السمة مشتركة في بلدان العالم العربي، هي تأرجح السياسية  ما بين ما أسماه صحافي أمريكي  ب  wall street أي مكان المال والسلطة، أو الأوليغارشية، من جهة، ومن جهة أخرى ب the street  أي الشارع. يزعم الأوائل أنهم يدافعون عن مصالح الشعب، ويزعم الأواخر أنهم يمثلونهم… يتم الخلط ما بين الشارع وما بين الشعب، ويُختزل الشعب في عملية حسابية، عددية، ونعرف، أو يعرف دارسو العلوم السياسية، أن مفهوم الشعب تبلور في القرن السادس عشر في مقابل الحق الإلهي الذي كان يتذرع به الملوك، وأنه يحتاج، مثلما قدم لابويسي   La Boétie في كتيب مرجعي، “العبودية الإرادية”، إلى  من يترجم إرادة الشعب ويعبر عنها، وهي بالأساس نخبة فكرية ترتقي به  من خلال التربية.

READ  فين يامات مولاي أحمد شان و قريطيس وووو

الشعب ليس مجموع أشخاص مجتمع ما، كما أن المصلحة العامة، ليس مجموع المصالح الشخصية،  بل شيئا يتجاوز عدد المجموعة، وحتى بلغة الأرقام، لا يمكن لتنظيم أن يزعم  التعبير عن الشعب وهو لا يمثل إلا طيفا من المجتمع.. في عصر الجماهير، أضحت لغة الأرقام مهيمنة، وحاسمة، وقد عرفت أوربا ذلك عقب الحرب العالمية الأولى، وتلظت به، ويعرف العالم العربي موجة الشارع العاتية. تجد مشروعيتها في التصدي للاستبداد والسلطوية والمقاربات التقنية والاستلاب الثقافي.. ولكنها تشكو النظرة المانوية، والسطحية في التحليل والارتكان في الغالب إلى ردود الفعل، والسعي  للالتفاف على تناقضات المجتمع  بنظرة هلامية تمزج بين الأماني والتصورات الجاهزة.. تضرب صفحا على التجربة الإنسانية وتدفع بالخصوصية. سمتها سمة كل الاتجاهات المهدوية، تنظر إلى المجتمعات وإلى الأفراد وفق تصور مثالي، كما ينبغي أن يكونوا، وليس كم هم.

لذلك كله، نظرتُ إلى الخيار الثالث باهتمام، والذي عبر عنه البعض ب”الحل”. الدفع ب”حل” هو اجتراء وتنطع. ينبغي في السياسة، كما في أوجه الحياة التحلي بالتواضع… ليس هناك حل ولا حلول، وإنما جهد مستمر. جهد ينطلق من قراءة الواقع وتشخيصه تشخيصا دقيقا، ورصد الإمكانات المتاحة، وإمكانية تعبئتها في إطار خيار، ضمن خيارات ممكنة، يتم تصويبها، من خلال الممارسة أو البراكسيس إن صح هذا المصطلح الماركسي.. الخيار الثالث ينطلق من تجاوز الضحالة الفكرية القائمة على المانوية، إما هذا أو ذاك، وينطلق أو ينبغي أن ينطلق  من الإنسان كما هو، تحركه الغيرة والطمع والخوف، ويتم ضبط التجاوزات بقاعدة القانون. الخيار الثالث ينطلق أو ينبغي أن ينطلق من الذات في تفاعل مع الآخر، وليس عداء له، أو رد فعل له. الخيار الثالث ينبغي أن ينطلق من معرفة عميقة بالمجتمع، وتفاعل معه، وتواصل من خلال لغته ومنظومته القيمية.

READ  حرب الطرق اليوم بارفود و بالامس بفزنا تحصد طفلين

سبق للمفكر الأردني مروان معشر أن عقد المقارنة، في كتاب مفيد “اليقظة العربية الثانية    The second Arab Awakening and the Battle  for pluralism ، ما بين اليقظة العربية الأولى والتي كانت شأن نخب، من دون جماهير، و”اليقظة العربية” الثانية التي تبدت معالمها مع الحراك المجتمعي الذي عرفه العالم العربي مؤخرا،  والذي هو شأن جماهير من دون نخب. قد تكون يقظة إن اضطلعت النخب الفكرية في تعاون مع النخب السياسية، بمسؤولياتها، برسم معالم خيار ثالث، للخروج من الثانية التي تغذي بعضها البعض.

أريد أن أضيف عنصرا آخر، قلما يؤبه به، وهو أن مفهوم الشعب، كما تبلور في أوروبا، تزامن مع مفهوم آخر، هو الدولة، ليس بصفتها أدوات وأذرعا، ولكن بالأساس بصفتها تعبيرا عن عقد اجتماعي، مؤتمنة على الصالح العام، أو بتعبير هوبز هي الروح بالنسبة للجسد… لا خيار ثالثا من دون الدولة، أو على حساب الدولة. ولا خيار ثالثا من دون بلورة مفهوم الدولة.




الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الرشيدية 24

تعليقات الزوّار 0.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*