اخر الأخبار

كُتّاب وآراء

Imprimer

في رحاب رواية ويلبيك الشريرة2/2

عزيز بعزي

عزيز بعزي

 إني واثق أن ردود الأفعال تجاه هذه الرواية كثيرة، و ستزداد بحكم استمرارهاإلى حدود هذه اللحظة.فالبعض يراها عظيمة، في حين أن البعض الآخر يراها غير مسؤولة.لذا فإن ردود ويلبيك تجاه القضايا التي أثارها لن تجد قبولا تاما، لأن روايته لم تعد ملكا له بل إن التأويل والقراءة بيد القارئ، وفي الكثير من الأحيان يكون حق تدخله لإبطال بعض الآراء باطلا، فقوله مثلا بأن روايته “ليست إسلاموفوبيا وحتى القراءة العابرة لن تراها كذلك” دليل على عدم قدرته لجعل القراءة قراءة واحدة، لأن هناك ببساطة من يراها إسلاموفبيا.

حسبنا أن نشير هنا إلى أن المنحى الذي اتبعه “ويلبيك” يفقده عظمته، لأن فكره هنا يتماشى مع أفكار الرجعيين الجدد مثل إريك زمورالفرنسي من أصول جزائرية يهودية  الذي ألف كتاب” الانتحار الفرنسي”، والذي تنبأفيه بانهيار فرنسا أمام الإسلام، ولم يكتف بهذا الأمر بل دعا في إحدى تصريحاته إلى ضرورة مغادرة المسلمين لفرنسا، وقد رأى البعض أن “ويلبيك” استند إلى رؤية  زمور لإخراج روايته إلى الوجود، كما اعتمد أيضا على  أفكاررواد اليمين المتطرف المعادين للمهاجرين،وهذا ماأشار إليه أيضا الرئيس الفرنسي هولاند في رده على رواية “ويلبيك”، بعد دعوته الفرنسيين إلى عدم التسليم لمشاعر الخوف والقلق وضرورة تجاوزها،وذلك بالتركيز على ماهو إيجابي.

لن تجد رواية “ويلبيك” أي حيز لزرع الرعب في نفوس الفرنسيين، وهذا ما عبر عنه رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس حينما قال” فرنسا ليست ويلبيك، وهي ليست بلد اللاتسامح والكراهية والخوف”. وما يدل صراحة على العداء الذي يكنه ويلبيك للإسلام والمسلمين أن مجلة شارلي إيبدو احتوت على رسم كاريكاتوري ينتسب إليه، علاوة على صفحات مخصصة لروايته التي تجعل الجمهورية الفرنسية تحت قبضة الحزب الإسلامي.وحسب بعض الآراء فقد جاء  الاعتداء على مقر مجلة شارلى إبدو نتيجة تلك الأفكار، حيث أودى بمقتل 12 شخصا وإصابة آخرين.

الغريب في الأمر أن هذا الرجل ربما يجهل عمق مبادئ التسامح والتعايش وتاريخ البشريةبخصوص هذه الأمور، أو ربما يتجاهلها بحكم تأثره بأفكار التيار اليميني المتطرف، وهذا ما يمكن أن نكتشفه عندما أكد أن المسلمين محافظون بطبيعتهم، ولا يمكنهم التأقلم مع اليسار،( ربما لتبنيه لزواج المثليين كما يرى البعض)، فهم يشعرون بالتهميش من جانب اليمين الذي يرفضهم.

صحيح إن ويلبيك ورواد اليمين المتطرف ليسوا وحدهم من يرفض الإسلام والمسلمين، فهذه عادة غربية منذ القديم، و من الصعب التخلص منها، أو معالجتها بالشكل المطلوب، لأن الغرب نفسه يدعو إلى إشاعة قيم الحوار والتعايش ثم يتبعها برؤى التعصب والكراهية.

ربما تكون الغفلة سمة من سمات الإنسان العربي-المسلم لأن الغرب يدعو إلى أشياء لا نفهمها لحظة إطلاقه لها، ولانكتشف حقيقتها إلا بعد مرور الوقت حيث لا ينفع آنذاك الرجوع إلى الوراء، سيما وأن موقعنا لامحل له من التمكين الفعال على الصعيد الدولي، حتى يحق لنا الرجوع كما نشاء لتسديد الوجهة مرة أخرى وفق ما نراه صائبا ولازما، فقد تم الإعلان عما يسمى بحوار الحضارات، وبالرغم من قيمة هذا المفهوم، وإيماننا بما يرمي إليه إلا أن المقصود منه في الغرب – كما يرى حسن حنفي – أن يخف التوتر بين الشعوب في حوار على مستوى الثقافة، بعيدا عن السياسة ومشاكلها والاقتصاد وهمومه.فبدلا من كل أشكال الصراع بين من يملكون ومن لا يملكون، بين الأغنياء والفقراء، بين القاهرين والمقهورين، بين المركز والهامش يمكن عقد حوار بين الطرفين تآلفا ومحبةكما هو الحال في “حوار الأديان”. وما ذكرناه لايتنافى مع حقائق أخرى نؤمن بها، فنعتقد أن الغرب لا يؤمن بشيء سواها، حتى يقع الاصطدام بدل التفاهم؛ فتنكشف حقيقة الفكر الغربي المضمر.

كنا ننتظر من ويلبيك بحكم شهرته، وبراعته في الكتابة الروائية أن يكون إبداعه عالميا وخياله إنسانيا، بعيدا عن الصراع والعنصرية ولغة إشاعة الفواحش والرذيلة، لكن روايته “استسلام” لم تكن سوى هدية سوداوية مفعمة بالشر، موجهة إلى العالم برمته مع بداية سنة جديدة، لكن فرحتها توقفت بمجرد الهجوم على مقر مجلة شارلي إيبدو الذي أسهم في إخراج عددها.

لم نكن نتوقع بكل صراحة أن يستغل الأدب الغربي عموما أحداث الربيع الديمقراطي السائدة في العالم العربي-الإسلامي، وموقع الأحزاب الإسلامية منها، ويحاول إسقاط بعض حيثياته على البيئة الغربية،من منطلق استشراف مستقبلها المرهون بالحكم الإسلامي، لاستفزاز بعض التيارات المعادية للإسلام والمسلمين، كما لم نكن نتوقع بكل تأكيد أن يكون الكاتب الفرنسي المشهور ويلبيك – حسب علمنا إلى حدود الآن-  أول من سيفتح هذا الباب على مصراعيه بشكل مثير للجدل في صنف الرواية كجنس أدبي نثري، فكفانا الله شر ويلبيك، وكل من يجد راحته في رحاب روايته الشريرة

Be Sociable, Share!



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الرشيدية 24

تعليقات الزوّار 0.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*