اخر الأخبار

كُتّاب وآراء

Imprimer

يا مجانين السياسة ….لقد سئمنا من تصرفاتكم 2/2

عزيز بعزي

عزيز بعزي

في هذا السياق، غير البعيد عن ظواهرنا الاجتماعية فإن اختيار “مي فاتحة” رحمها الله ( القنيطرة)  بائعة البغرير والحلويات للموت، جاء بحثا عن الكرامة، وهروبا عن وضعية الذل، بعدما أهرقت مادة “الدوليو” في جسدها، لتنجح في تحقيق عملية الانتحار كرها .

كل هذه القضايا الحقوقية، والإنسانية في عمقها تجعلنا نقول هل يحق لنا أن نتحدث بهذا الشكل غير اللائق عن مغرب القرن الواحد والعشرين؟.

اسمحوا لي، فمن المحتم علينا أن نعتقد اعتقادا جازما بأن مغربنا ليس واحدا، والله على ما أقول شهيد، وتيقنوا معنا بأن الأبله المغامر هو الذي يستطيع أن يفند ماقلناه، أما  صور المخزن كيفما كانت فآلياتها العملية، المتداخلة بين المصلحة العامة والخاصة، متطورة ومتجددة، حسب كل مرحلة، لكن عندما تسعى قواها إلى كسر عظام الشعب بأي شكل من الأشكال فإن ذلك لا يبتعد عن كسر كرامة هذا الأخير.

***

كنتيجة لهذا الوضع، تأكدوا بأننا سنؤدي الثمن باهظا اليوم وغدا، سيما عندما نجد أن البعض يتخذ من بعض صور الدفاع عن النفس، والحقوق مادة للسخرية والاستهزاء، وهذا ما فعله تماما القيادي بحزب العدالة والتنمية، وكاتب الدولة في قطاع النقل، نجيب بوليف، والغريب في الأمر،  – وبحكم شخصيته التي نالت إعجاب الناس بطنجة -، فقد حصل على أعلى نسبة من الأصوات التي حصدت لائحته في انتخابات 7 من أكتوبر(أكثر من60ألف صوت) في سابقة من نوعها في كل تاريخ الانتخابات.

مع ذلك فقد نال نصيبه من الحكرة، بشكل مباشر وغير مباشر، وهي إلى حدود الآن ذات بعدين على الأقل : ويتأسس بعدها الأول على” الحكرة “السياسية، من قبل إخوانه حيث لم يجدوا له سوى حقيبة جد صغيرة في النقل، ككاتب دولة في وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك، بعد أن كان وزيرا منتدبا  في حكومة عبد الإله بن كيران الذي “حكر” المجتمع المغربي كله، والشباب على وجه الخصوص بعدما تمكن بطرقه الاستغلالية من ضمان تقاعد وزاري، وبرلماني مدى الحياة، وتعويض 70مليون سنتيم عن نهاية الخدمة، وبعدما وظف ابنه وابنته، فحقق كرامة أولاده، وترك أولاد الشعب، ضحية  خزعبلاته السياسية التي كشفت سر فشله، بعدما صنع أمامنا السراب المفعم بالأوهام، فكنا ضحية تاريخ سياسي لم نتصوره، سيبقى موشوما في ذاكرتنا، وتاريخنا السياسي كلما أمعنا النظر في حيثياته .

أما البعد الثاني، فيتأسس على حكرة “مي عائشة”، وهي أشد عند الله، وعند الشعب كرد فعل، في حالة إذا لم تسامح “بوليف”، لأن دموعها المؤثرة على قلوب الرحمة هي في جوهرها تدخل في باب دعوة المظلوم، والتي ليس بينها وبين الله حجاب، (عقديا).

***

أنا أحسب أن مجتمعنا يمارس “الحكرة ” على من يمارسها عليه، فيعتبر ذلك تواضعا، حتى يكون ذلك عبرة ” للحكارين”. ورغم  الاعتذار الذي قدمه “بوليف” ل “مي عائشة ” ، وللشعب المغربي سيما الفيسبوكي، فإنني أقول بالفم الملآن، ليس العيب أن يكون الإنسان فقيرا “من عند الله وليس من عند البشر”، أو مظلوما بحكم قلة العدل المطلوب، ولكن العيب  الحقيقي، والفقر الذي لا يقبله الله، يتعلق بمن  يحاول التنقيص عمدا من كرامة الإنسان كيفما كانت أحواله. نعم إننا نعيش في زمن “الحكرة”، وكأن الإنسان خلق من أجل تدمير أخيه، وعدم تقديره له، بصفته إنسانا مكرما.

فما لا يعلمه الكثير من المغاربة وغيرهم أن واقعة “مي عايشة”، أتت بعد صعود شخصين لاقطا هوائيا لشركة اتصالات بجماعة قروية ( سيدي الطيبي) بإقليم القنيطرة، وظلوا في أعلى العمود مدة 16 ساعة، كما صعد  قبل ذلك ثلاثة أشخاص بتيفلت ( الخميسات) لاقطا مشابها، وظلو عالقين ما يزيد عن أسبوع …المهم صدق، أو لا تصدق لكن لا  تمارس لغة الحكرة…

أنا أتذكر الآن مصير صاحبة “جوج فرانك”، وكيف كرهت نفسها، فانتابت الحيرة أيامها بشكل لا يمكن تصوره، عندما انقلب عليها الشعب المغربي، فقد أرادت أن تمارس صيغ الاستهزاء بشكل عفوي مفعم برؤية سياسية عقيمة، وسلسة، وبحسن التخلص لتمرير أفكارها ” الحكارة” لكن قوى الكرامة الثابتة أركانها لا ترضى بذلك، وهذا ما دفعها للرجوع إلى الوراء، بعد جمع لسانها، وعظه عظا أسفا وندما، ونعم القرار، بعد اختيار لغة الاعتذار المتكرر طبعا، والذي لم يحد من سخرية المغاربة اتجاهها، بعدما جعلوها مادة دسمة لتوبيخ عقلية مجانيننا السياسيين .

***

في الحقيقة السياسي الذي يكسر كرامة الشعب لا يحق له أن يكون مسؤولا، فبدل دعوته إلى فتح تحقيق في أي مسألة تمس حقوق الفرد نجده يعجل بإصدار أحكام “حكارية”، ما أنزل الله بها من سلطان، وبدل أيضا أن يقول إننا لا نقبل أن نرى مثل هذه المشاهد المأساوية في بلدنا، نجده أول من يعلن عنها، ويشهرها بدون حياء في وسائل التواصل الاجتماعي، ليعلم العالم كله بأننا شعب “حكار” بدون حياء وبامتياز.

فيا أولي الألباب اجتنبوا “الحكرة” فليس فيها منافع، فأضرارها عمليا تمس في المقام الأول كل من يحاول زرعها، وهي فتنة لا ترحم، – وإن كانت بعض القلوب المريضة تصر على التغني بها – ، وقد لعن الله من أيقظها في السراء والضراء بحكم أن منطلقها قلبي، ومن كان قلبه سليما فلا تخافوا منه، فلن تجد “الحكرة ” إليه سبيلا.

الغريب في الأمر أن كثرة أمراض “الحكرة”، وتنوعها، وتنامي حدتها في خطابات  طبقات مجتمعنا عموما، دفعتنا نقول كرها منا، إن المعرفة الإنسانية في بلدنا،  – وفي حالات كثيرة، ومتنوعة من الصعب حصرها –  قائمة أيضا على “الحكرة”، فإما أن تكون “محكورا”، أو “حكارا” لسبب بسيط ترجع منابعه إلى كون الاختيار ليس بيدك، بحكم تعقد عقيدة “الحكرة” المغربية السائرة في طريق النمو.




الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الرشيدية 24

تعليقات الزوّار 0.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*